الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
233
تفسير روح البيان
تتم أربعون سنة من عمره . والثالثة سن الكهولة وهو سن الانحطاط اليسير الخفي وتمامه إلى ستين سنة . والرابعة سن الشيخوخة وهو سن الانحطاط العظيم الظاهر وتمامه عند الأطباء إلى مائة وعشرين سنة . والأشد غاية الوصول إلى الفطرة الأولى بالتجرد عن غواشى الخلقة التي يسميها الصوفية بمقام الفتوة قال في التعريفات الفتوة في اللغة السخاء والكرم وفي اصطلاح أهل الحقيقة هي ان تؤثر الخلق على نفسك بالدنيا والآخرة آتَيْناهُ حُكْماً كمالا في العلم والعمل استعد به الحكم بين الناس بالحق ورياستهم قال القشيري من جملة الحكم الذي آتاه اللّه نفوذ حكمه على نفسه حتى غلب شهوته فامتنع عما راودته زليخا عن نفسه ومن لا حكم له على نفسه لم ينفذ حكمه على غيره قال الامام نقلا عن الحسن كان نبيا من الوقت الذي ألقى فيه في غيابة الجب لقوله تعالى وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ ولذا لم يقل هاهنا ولما بلغ أشده واستوى كما قال في قصة موسى لان موسى أوحى اليه عند منتهى الأشد والاستواء وهو أربعون سنة وأوحى إلى يوسف عند أوله وهو ثمان عشرة سنة وَعِلْماً قالوا المراد من الحكم الحكمة العملية ومن العلم الحكمة النظرية وذلك لان أصحاب الرياضات والمجاهدات يصلون أولا إلى الحكمة العملية ثم يترقون منها إلى الحكمة النظرية . واما أصحاب الافكار والانظار العقلية فإنهم يصلون أولا إلى الحكمة النظرية ثم ينزلون منها إلى الحكمة العملية وطريقة يوسف عليه السلام هي الأول لأنه صبر على المكاره والبلاء والمحن ففتح اللّه له أبواب المكاشفات : قال الحافظ مكن ز غصه شكايت كه در طريق طلب * براحتى نرسيد آنكه زحمتى نكشيد : وقال چه جورها كه كشيدند بلبلان از دى * ببوى آنكه دكر نو بهار باز آمد والحاصل ان طريقة يوسف طريقة السالك المجذوب لا طريقة المجذوب السالك والأولى هي سنة اللّه الغالبة في أنبيائه وأوليائه ففي قوله حُكْماً وَعِلْماً إشارة إلى استكمال النفس في قوتها العملية والنظرية وعن الحسن من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه اللّه الحكمة في اكتهاله وفيه إشارة إلى أن المطيع تفتح له ينابيع الحكمة وتنبيه على أن العطية الإلهية تصل إلى العبد وان طال العهد إذا جاء أوانها فلطالب الحق ان ينتظر احسان اللّه تعالى ولا ييأس منه وفي الحديث ( أفضل اعمال أمتي انتظارهم فرج اللّه ) قال النصر لما عقل يوسف عن اللّه أو امره ونواهيه واستقام معه على شروط الأدب أعطاه حكما على الغيب في تعبير الرؤيا وعلما بنفسه في مخالفة هواها قال بعض الأكابر الكمال العلمي أفضل من الكمال العملي والتقصير من جهة العلم أشد من التقصير من جهة العمل فان حسن العقيدة وصفاء القريحة بسبب العلم والكمال ولشرفه امر اللّه تعالى سيد الأنبياء صلوات اللّه عليه وعليهم وسلامه بطلب الزيادة منه فقال وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وقد ذكر أهل الإشارة ان آدم عليه السلام وصل إلى رياسة سجود الملائكة بعلم الأسماء وسليمان إلى الملك العظيم بالفهم وعلم منطق الطير ويوسف إلى النجاة والشرف والعز بعلم التعبير فالعالم بعلم التوحيد كيف لا ينجو من الجحيم وينال شرف لقاء اللّه تعالى في دار النعيم وَكَذلِكَ اى مثل الجزاء العجيب الذي